الشيخ عبد الغني النابلسي

57

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

نفوسهم ، وأحوالها في ظواهرهم وبواطنهم مما هم عليه في عالم الثبوت غير الوجود وغير المنفي ويسمى عالم الإمكان ، كما أن الوجود يسمى عالم الوجود ، والنفي يسمى عالم الاستحالة . فإن كان فيما قدرنا عليهم من الأزل ثم أوجدناه فيهم من أحوالهم ظلما بسبب عدم تأثيرهم في شيء منه أصلا فهم الظالمون والأحق أنهم هم الذين يوصفون بهذا الوصف القبيح الذي هو الظلم لأنه لم يكن في علمنا إلا تبعا لما هو في أحوالهم الثابتة أزلا في عالم الإمكان ، واللّه تعالى منزه عن القبائح أزلا وأبدا . ولذلك قال سبحانه وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ البقرة : 57 ] من أصل ثبوت أعيانهم كذلك كما ذكرنا فما ظلمهم اللّه تعالى ، لأنه أعطاهم خلقهم ، فأوجدهم على طبق ما هم عليه ، فله المنة عليهم والفضل بتشريفهم بحلة الوجود ، التي أعارها لهم على حسب ما أوجدهم أيضا قابلين له منها ، هذا من حيث وجودهم بأحوالهم التي هم عليها ، وأما من حيث الحكم عليهم بالأحكام الشرعية أمرا ونهيا ، فقد أشار إليه بقوله : كذلك ما قلنا لهم من حيث التكاليف الشرعية إلا ما أعطته ذاتنا الإلهية الأزلية أن نقول لهم مما نحن عليه من الكمال الذاتي والجمال الذاتي ، فمن تبع أحكامه كمل وجمل على حسب استعداده ، فجذبناه إلينا لظهور بعض أوصافنا فيه بمقتضى استعداده ، بل جذبنا أو صافنا التي اتصف بلوائحها فانجذب معها إلينا ، ومن أعرض عن متابعة أحكامنا انقطع عنا وذاتنا الكمالية الجمالية المذكورة معلومة لنا ، أي مكشوفة عنها بعلمنا الأزلي بما هي عليه أن نقول لهم كذا من الأحكام ولا نقول كذا فالعلم الإلهي كاشف عن ذات اللّه تعالى وعن قولها أيضا . فما قلنا لهم من الأحكام إلا ما علمنا منا أنا نقول لهم فلنا القول المنزل بالأحكام الشرعية في الأمر والنهي حاصل منا ، أي من حيث كمالنا وجمالنا وما يخالف ذلك ولهم الامتثال وعدم الامتثال بمقتضى ما هم عليه في أحوال أعيانهم الثابتة في عدمها الأصلي مع السماع لقولنا الحق وهو وصول الأحكام إليهم وإطلاعهم عليها لا قبل ذلك ، فإنه لا مؤاخذة كما قال سبحانه : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] ، فإن الرسول يبلغهم الأحكام فيحصل السماع فتقوم الحجة عليهم منهم ، أي حامل ذلك الامتثال وعدمه والسماع من جهتهم [ شعر ] فالكل ، أي أعيانهم وأحوالهم وأحكامهم التي هم مكلفون بها منا أصلها